أحمد زكي صفوت

426

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

الحقّ إلا بالجدّ ، أىّ دار بعد داركم تمنعون ؟ ومع أي إمام بعدى تقاتلون ؟ المغرور واللّه من غررتموه ، ومن فاز بكم فقد فاز واللّه بالسهم الأخيب ، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل « 1 » ، أصبحت واللّه لا أصدق قولكم ، ولا أطمع في نصركم ، ولا أوعد العدوّ بكم ، ما بالكم ؟ ما دواؤكم ؟ ما طبّكم ؟ القوم رجال أمثالكم ! أقولا بغير علم ، وغفلة من غير ورع ، وطمعا في غير حق ! » . وزاد ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : « فرّق اللّه بيني وبينكم ، وأعقبنى بكم من خير لي منكم ، وأعقبكم بعدى من شرّ لكم منى ؛ أما إنكم ستلقون بعدى ذلّا شاملا ، وسيفا قاتلا ، وأثرة يتخذها الظالمون بعدى فيكم سنّة ، تفرّق جماعتكم ، وتبكى عيونكم ، وتدخل الفقر بيوتكم ، تمنّون واللّه عندها أن لو رأيتموني ونصرتمونى ، وستعرفون ما أقول لكم عمّا قليل . استنفرتكم فلم تنفروا ! ونصحت لكم فلم تقبلوا ! وأسمعتكم فلم تعوا ، فأنتم شهود كأغياب ، وصمّ ذو وأسماع ، أتلو عليكم الحكمة ، وأعظكم بالموعظة النافعة ، وأحثكم على جهاد المحلّين « 2 » ، الظّلمة الباغين ، فما آتى على آخر قولي ، حتى أراكم متفرقين ، وإذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا « 3 » عزين « 4 » ، تضربون الأمثال ، وتناشدون الأشعار ، تربت « 5 » أيديكم ، وقد نسيتم الحرب واستعدادها ، وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها ، وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل » . ( نهج البلاغة 1 : 39 ، والإمامة والسياسة 2 : 111 ، والبيان والتبيين 2 : 26 )

--> ( 1 ) سهم أفوق مكسور الفوق ( بضم الفاء ) والفوق : مدخل الوتر من السهم ، والناصل : العاري عن النصل . ( 2 ) أي الذين خرجوا على إمامهم واستحلوا قتاله . ( 3 ) الحلق : محركة جمع حلقة ( بسكون اللام ) وحلقة القوم : الذين يجتمعون مستديرين . ( 4 ) جمع عزة ( بالكسر ) : وهي الطائفة من الناس . ( 5 ) دعاء عليهم : أي خسرتم ولا أصبتم خيرا ، وأصله من ترب الرجل : أي افتقر كأنه لصق بالتراب .